ابن العربي
447
أحكام القرآن
أمّا مقتضى اللغة فإن اللّه سبحانه قال « 1 » : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ، وأراد في جميع البدن ، ثم قال : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ، فافتضى ذلك الماء الذي يقوم له بحق ما تقدّم الأمر فيه والتكليف له ؛ فإنّ آخر الكلام مرتبط بأوله . وأما مخالفته لأصول فليس في الشريعة موضع يجمع فيه بين الأصل والبدل ، وقد مهّدنا ذلك في مسائل الخلاف ، وبهذا تعلّق الأئمة في الوضوء بماء البحر ، وهي : المسألة التاسعة والعشرون - قال ابن عمر رضى اللّه عنه : إنه لا يجوز الوضوء به ، لأنه ماء النار أو لأنه طين جهنم ، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء عذاب فلا يكون ماء قربة . وقد منع النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين نزلوا بديار ثمود ألّا يشرب ولا يتوضأ من آبارهم إلّا من بئر الناقة ، وأوقفهم عليه ؛ وهي إحدى معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم . قلنا : قد قال النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم في ماء البحر : هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته . وقد روى عن ابن عباس أنّ ماء البحر هو طهور الملائكة ، إذا نزلوا توضّئوا ، وإذا صعدوا توضئوا ، فيقابل حديث ابن عمر بحديث ابن عباس ويبقى لنا مطلق الآية ، وحديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . المسألة الموفية ثلاثين - قوله تعالى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً ، معناه فاقصدوا « 2 » . وقد روى عن عبد اللّه أنه قرأها فائتمّوا « 3 » ، والأول أفصح وأملح ؛ فإن « اقصدوا » أملح من اتخذوه إماما ، ومن هاهنا قال أبو حنيفة : تلزم النية في التيمم ؛ لأنه القصد لفظا ومعنى . قلنا : ليس القصد إليه للاستعمال بدل الماء هو النية ، إنما معناه اجعلوه بدلا ، فأما قصد التقرب فهو غيره . جواب آخر - وذلك أنّ قوله : فَتَيَمَّمُوا إن كان يقتضى بلفظه النية فقوله : تطهّروا واغتسلوا « 4 » يقتضى بلفظه النية ، كما تقدم .
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية 6 ( 2 ) تفسير لتيمموا . ( 3 ) في ا : فاهتموا . ( 4 ) في ا : ويغسلوا .